العيني
81
عمدة القاري
( فقال : كل فإني صائم ) . فعلى رواية أبي ذر القائل بقوله : كل ، هو سلمان ، والمقول له هو : أبو الدرداء ، وهو المجيب بأنه صائم ، وعلى رواية الترمذي القائل بقوله : كل ، هو أبو الدرداء ، والمقول له سلمان . قوله : ( قال : ما أنا بآكل ) أي : قال سلمان : ما أنا بآكل من طعامك حتى تأكل ، والخطاب لأبي الدرداء . قوله : ( فأكل ) أي : أبو الدرداء ، ويروى : فأكلا ، يعني سلمان وأبا الدرداء . قوله : ( فلما كان الليل ) ، يعني أول الليل ذهب أبو الدرداء يقوم يعني للصلاة ، ومحل : يقوم ، نصب على الحال . قوله : ( فقال : نم ) ، أي : قال سلمان لأبي الدرداء : نم ، وفي رواية ابن سعد من وجه آخر مرسلاً ، ( فقال له أبو الدرداء : أتمنعني أن أصوم لربي وأصلي لربي ؟ ) قوله : ( فلما كان من آخر الليل ) ، أراد عند السحر ، وكذا هو في رواية ابن خزيمة ، وعند الترمذي : ( فلما كان عند الصبح ) ، وفي رواية الدارقطني : ( فلما كان في وجه الصبح ) . قوله : ( قال سلمان : قم الآن ) أي : قال سلمان لأبي الدرداء : قم في هذا الوقت ، يعني : وقت السحر . قوله : ( فصليا ) ، فيه حذف تقديره : فقاما وصليا ، وفي رواية الطبراني : ( فقاما وتوضآ ثم ركعا ثم خرجا إلى الصلاة ) . قوله : ( ولأهلك عليك حقا ) ، وزاد الترمذي وابن خزيمة : ( ولضيفك عليك حقا ) . وزاد الدارقطني : ( فصُمْ وأفْطِرْ وصَلِّ ونَمْ وائتِ أهْلَك ) . قوله : ( فأتي النبي صلى الله عليه وسلم ) ، أي : فأتى أبو الدرداء النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك ، أي : ما ذكر من الأمور له ، أي : للنبي ، صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية الترمذي : ( فأتيا ) ، بالتثنية . وفي رواية الدارقطني : ( ثم خرجا إلى الصلاة ، فدنا أبو الدرداء ، ليخبر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بالذي قال له سلمان ، فقال له : يا أبا الدرداء ! إن لجسدك عليك حقا ) . مثل ما قال سلمان ، ففي هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليهما بأنه علم بطريق الوحي ما دار بينهما ، وليس ذلك في رواية البخاري عن محمد بن بشار ، ويمكن الجمع بينهما بأنه كاشفهما بذلك أولاً ثم أطلعه أبو الدرداء على صورة الحال ، فقال له : صدق سلمان ، وروى هذا الحديث الطبراني من وجه آخر عن محمد بن سيرين مرسلاً ، فعين الليلة التي بات سلمان فيها عند أبي الدرداء ، ولفظه : ( قال : كان أبو الدرداء يحيى ليلة الجمعة ويصوم يومها ، فأتاه سلمان ) ، فذكر القصة مختصرة ، وزاد في آخرها : ( فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عويمر ! سلمان أفقه منك ) . انتهى ، وعويمر تصغير : عامر ، أسم لأبي الدرداء ، وفي رواية أبي نعيم في ( الحلية ) : ( فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد أوتي سلمان من العلم ) ، وفي رواية ابن سعد : ( لقد أشبع سلمان علما ) ، رضي الله تعالى عنه . ذكر ما يستفاد منه فيه : جواز الفطر من صوم التطوع ، لما ترجم له البخاري ، ثم القضاء هل يجب عليه أم لا ؟ قد ذكرناه مع الخلاف فيه ، وقد نقل ابن التين عن مذهب مالك : أنه لا يفطر لضيف نزل به ، ولا لمن حلف عليه بالطلاق والعتاق ، وكذا لو حلف هو بالله ليفطرنَّ كفر ، ولا يفطر . وسيأتي من حديث أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفطر لما زاره سليم وكان صائما تطوعا ، وقد صح عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يفطر من صوم التطوع ، وزاد بعضهم فيه : ( فأكل ثم قال : لكن أصوم يوما مكانه ) . وفي ( المبسوط ) : بعد الشروع في الصوم لا يباح له الإفطار بغير عذر عندنا ، فيكون بالإفطار جانيا ، فيلزمه القضاء ، ولا خلاف أنه يباح له الإفطار بعذر . واختلفت الروايات في الضيافة ، فروى هشام عن محمد أنه يبيح الفطر ، وروى الحسن عن أبي حنيفة : أنه لا يكون عذرا ، وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة : أنه عذر ، وهو الأظهر ، ويجب القضاء في الإفطار بعذر كان أو بغير عذر ، وكان الإفطار بصنعه أو بغير صنعه ، كالصائمة تطوعا إذا حاضت عليها القضاء في أصح الروايتين ، وفي ( الفتاوي ) : دعي إلى طعام وهو صائم في النفل إن صنع لأجله ، فلا بأس بأن يفطر . وعن محمد : إن دخل على أخ له فدعاه أفطر وقيل : إن تأذى بامتناعه أفطر ، وعن الحسن : أنه لا يفطر إلاَّ بعذر . وفي ( المنتقى ) : له أن يفطر . قيل : تأويله بعذر ، وقيل : قبل الزوال له أن يفطر وبعده لا يفطر ، وفي القضاء وصوم الفرض لا يفطر ، وعن محمد : لا بأس به . وإن حلف غيره بطلاق امرأته أن يفطر ، قال نصير وخلف بن أيوب : لا يفطر . ودعه يحنث ، وعن محمد : لا بأس بأن يفطر ، وإن كان في قضاء . وفي ( المحيط ) إن حلف بطلاق امرأته يفطر في التطوع دون القضاء . وهو قول أبي الليث . وفي ( المرغيناني ) : الصحيح من المذهب أن صاحب الدعوة إذا كان رضي بمجرد حضوره لا يفطر ، وقال الحلواني : أحسن ما قيل فيه إن كان يثق من نفسه بالقضاء يفطر وإلاَّ فلا يفطر ، وإن كان فيه أذىً لمسلم ، وفي ( المأمونية ) للحسن بن زياد : إذا دعي إلى وليمة فليجب ولا يفطر في